السيستاني… معزّزاً للهوية الوطنية

2025/12/10

منتصر صباح آل شمخي الحسناوي

تعود ذكرى الانتصار على تنظيم دا١عش كلَّ عام لتذكّر العراقيين بما عاشوه من خوفٍ وانكسار، وبما اكتشفوه أيضاً من قوةٍ كانت كامنة في مجتمعٍ أوشك أن يفقد توازنه.

في كلّ مرة تُستعاد هذه الذكرى، يبرز اسمُ السيد علي السيستاني بوصفه صوتاً أنقذ اللحظة العراقية من الانطفاء ورجلاً وقف بالكلمة والموقف في مواجهة انهيارٍ كاد يبتلع كلَّ شيء.

أكتب عنه كمواطنٍ عراقي يستعيد حضور شخصيةٍ نالت احترام المختلفين قبل المتوافقين، شخصية اختارت الهدوء منهجاً والزهد سلوكاً والظهور عند الضرورة فقط.

هذا النمط من القيادة منح السيد السيستاني معنىً خاصاً، حضوراً يهدّئ التوتر بدل أن يصنع الضجيج ويعيد للناس توازنهم في بلدٍ اعتاد تقلّبات السياسة وسرعة الغضب.

قبل سنواتٍ من ظهور دا١عش كانت البلاد تمرّ بمرحلة احتقانٍ طائفي عميق، تتداخل فيها المؤثرات الخارجية مع فوضى الداخل وانهيار الدولة، الخوفُ يومها كان ينتشر في البيوت والصدوع كانت تتسع في المجتمع.

وسط هذا الجو المتوتر صدرت توجيهات سماحته التي شددت على حماية الأنفس وضبط الخطاب وإبعاد الناس عن لغة الكراهية.

شكّلت هذه المواقف سياجاً أخلاقياً حافظ على ما تبقى من النسيج الاجتماعي وأسهمت في منع البلاد من الانحدار نحو حرب لا عودة منها. وعند هذه النقطة بدأ العراقيون يدركون أنَّ الاعتدال ليس شعاراً بل خيارُ إنقاذ.

ثمّ جاء صيف 2014، اللحظة التي بدّلت مسار التاريخ، المدن تتساقط، المعنويات تتراجع والوطن يبدو على حافة الغياب.

عندها صدرت فتوى الجهاد الكفائي، دعوةٌ للدفاع عن البيت العراقي بكلِّ ما يمثله من "ذاكرة وهوية وناس".

حمل المواطنون النداءَ في قلوبهم قبل أسلحتهم وتشكلّت موجة دفاع أعادت للدولة قدرتها على الوقوف ومنحت المجتمع ثقةً بنفسه لم يعهدها منذ سنوات.

ومع امتداد المعارك، كانت البطولات تتوالى على خطوط الجبهة، قدّم المقاتلون من مختلف المحافظات تضحياتٍ أعادت رسمَ صورة العراق وهو يستعيد نفسه خطوةً بعد أخرى.

كانت دماء الشهداء تفتح طريقاً لوطنٍ أراد الحياة وتُثبّت في الوعي معنى الانتماء المشترك، إذ شارك الجميع في معركة لم تكن معركة طائفة أو جماعة بل معركة شعب كامل استجاب لنداء المرجعية العليا وحمل عبء اللحظة المصيرية.

ومع تصاعد الحرب، ظلّ السيستاني ثابتاً على بوصلةٍ واحدة: حماية الإنسان.

كانت توجيهاته تدعو إلى صون حياة المدنيين وتذكّر بأنَّ الانتصار الحقيقي هو الذي لا يضيع فيه دمُ بريء. تحولت وصاياه إلى مرجع عملي للقادة والمقاتلين وأسهمت في رسم صورةٍ للنصر تضعُ الإنسان في مركزه وتعيد ضبط المزاج العام كلما اقترب من التطرف أو المبالغة.

وفي بيتٍ بسيط في النجف، استقبل السيد السيستاني شخصياتٍ رأت فيه رمزيةً تتجاوز حدود العراق: الأمين العام للأمم المتحدة، بابا الفاتيكان، وشخصيات عالمية اعتبرت حضوره امتداداً لضمير البلد وتمثيلاً لخط الاعتدال.

كانت تلك اللقاءات اعترافاً بوزن الرجل، وبتأثيره الذي لا يقوم على سلطة، وإنّما على مكانةٍ أخلاقية.

هذا الدور الداخلي والخارجي أسهم في تعزيز الهوية الوطنية العراقية، لم يتحدث السيستاني بوصفه ممثلاً لطائفة بقدر ما كان مدافعاً لفكرة الوطن الجامع لاختلاف العراقيين.

ومع الزمن أصبح جزءاً من الهوية الوطنية ، رمزاً يذكّر الناس بأنَّ العراق قادرٌ على النهوض متى توفرت له حكمةٌ تُعيد ترتيب الفوضى.

وفي ذكرى الانتصار على دا١عش، يصبح الحديث عن السيستاني حديثاً عن العراق نفسه: عن بلدٍ استعاد توازنه بصوتٍ هادئ، واكتشف أنَّ الاعتدال يمكن أن يتحوّل إلى قوةٍ قادرة على حماية وطنٍ يتسع للجميع.

سيظلّ السيد السيستاني حاضراً في الوعي العام بوصفه معزّزاً للهوية الوطنية، ورمزاً لحكمةٍ أنقذت هذا البلد كلما اقترب من العتمة.