الهوية الإيكولوجية الثقافية
2026/02/24
منتصر صباح آل شمخي الحسناوي
تنامت في العقود الأخيرة العلاقة بين الإنسان وبيئته، من منظورٍ بيولوجي واقتصادي، ومن زاوية البعد الثقافي المتجذّر في المكان الذي ينشأ فيه.
هذا المنظور وجدتُه مطروحاً بعمق في كتاب “المدخل الى الإيكولوجيا الثقافية "Introduction to Cultural Ecology" ، تأليف Mark Q. Sutton وE.N. Anderson والذي يدرس التفاعل بين الثقافة البشرية والبيئة الطبيعية، ويوضّح كيف تُسهم المعارف المحليّة في إدارة الموارد وحماية النظم البيئية.
كما يناقش تطوّر النظريات الأنثروبولوجية من الحتمية البيئية إلى الإمكانات المتعدّدة، داعياً إلى توظيف التجارب الثقافية القديمة لمواجهة التحديات البيئية العالمية الراهنة بوعيٍ وتكامل.
ومما لفت نظري توصيفٌ عامٌ لعلّنا نقرأه أو نسمعه دون التدقيق بتفاصيله العميقة :
" البشر وثقافاتهم جزءٌ لا يتجزأ من البيئة، يتأثّرون بها ويؤثّرون فيها".
هذا المبدأ هو الاعتدال الذي يمكنُ رصد موقعه المعرفي بين اتجاهين تاريخيين في الفكر الجغرافي والفلسفي:
أولهما الحتمية البيئية Environmental Determinism : التي تؤمن بأن البيئة الطبيعية تُشكّل الإنسان وسلوكه وثقافته على نحوٍ حتمي. والتي تبناها الجغرافي الألماني فريدريك راتزل، وامتدت لتغذّي تصوّرات فلسفية عن الإنسان كإمتدادٍ للطبيعة، لا سيّما في الفلسفة الألمانية الكلاسيكية التي جعلت من الطبيعة قوةً حاكمةً تنتجُ انماط الحياة وتفسر الفروق بين الشعوب وفقاً لاختلاف المناخ والتضاريس.
وثانيهما النظرية الإمكانية Possibilism: التي ظهرت مع الجغرافي الفرنسي بول فيدال دو لابلاش، ورفضت الطابع الحتمي للبيئة، مؤكدةً أن الإنسان يمتلك حرية الاختيار من ضمن الإمكانات التي توفرها له الطبيعة.
وهكذا تُصبح الثقافة عاملاً حاسماً في كيفية استجابة الإنسان للبيئة، فيُبدع نمط عيشه وفقاً لتقاليده ومعارفه، لا وفقاً لإملاءاتِ الطبيعة.
في ظل هذا التنازع بين الجبر والاختيار، برز في مخيلتي مفهوم “الهوية الإيكولوجية الثقافية” بوصفه موقفاً ثالثاً معتدلاً، يتجاوز الثنائية الحادّة، ويمكن أن يقرّ بأن العلاقة بين الإنسان وبيئته تفاعلية ومتبادلة.
فالهُويّة هنا تتشكّل من تاريخٍ طويل من التكيّف والتفاعل المتبادل، البيئة تؤثّر، نعم، ولكن الثقافة تُعيد توجيه هذا التأثير عبر أدواتها وتمثلاتها وقيّمها، والنتيجة هي هويّة ذات طابع مزدوج: جغرافي وثقافي، لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر.
وهكذا تُغدو “الهويّة الإيكولوجية الثقافية” منظوراً تأليفياً، يُدرك الإنسان بوصفه كائناً طبيعياً يشارك في تشكيل بيئته، ويُعيد إنتاج هويته من خلال هذا التفاعل الخلّاق.
وهي دعوةٌ للتأمل ولإعادة النظر في مفهوم الهوية من زاوية تندر مقاربتها في العلاقة العميقة بين الثقافة والمكان، بين أنماط العيش وتضاريس الأرض، بين لغة الجسد ولغة الماء.
ولكن، هل يمثل ذلك اكتشافا جديدا ؟
بالتأكيد لا، فكثيرٌ تناولوا ذلك الموضوع لكنّنا لم نقرأه بشكله المباشر أو لعلّي لم أتمكن من العثور عليه "كمصطلح" ، لكنّنا جميعاً نشعرُ به في ظل النخلة، ونراه بشكل الملبس والمعّمار واللوحات ، و نعرفهُ بمواعيد الحصاد، ونسمعهُ في الشعر والمثل الشعبي .
على الرغم من أن الإيكولوجيا الثقافية ليست فرعاً من الجغرافيا ولا امتداداً لعلم البيئة وهي أقرب للأنثروبولوجي ، لكنّها موضوعٌ يربط الثقافة بالبيئة من خلال نمط العيش المشترك والتكيّف المتبادل.
إذ يرى المؤلفان Sutton وAnderson أن الثقافة تتشكّل استجابةً لحاجات البيئة وتحدّياتها، وأن الطقوس والمعتقدات والمعّمار والعادات هي آلياتُ تكيّفٍ اجتماعي وإيكولوجي عبر التاريخ .
ضمن هذا الفهم، تُصبح الثقافة خريطةً لحركة الإنسان فوق الأرض، وتُصبح الأرض بدورها نصاً تُعاد قراءته عبر الأجيال.
هنا قد يلتبس الأمر بمصطلحات قريبة من الإيكولوجيا الثقافية Cultural Ecology في اللفظ أو الاشتغال، من أبرزها التنوع الثقافي الحيوي Biocultural Diversity لكن لكلٍ من المفهومين سياقه ومساره الخاص.
فمفهوم الإيكولوجيا الثقافية، الذي تبلور في منتصف القرن العشرين يُعنى بدراسة العلاقة بين الثقافة والبيئة من زاوية التكيّف، أي كيف تنشأ أنماط الحياة والعادات والمعارف في مجتمعٍ ما استجابةً للظروف البيئية المحيطة به، وقد انصبَّ اهتمام هذا التيار على فهم البُعد الوظيفي للثقافة في بيئة محددة.
أما التّنوع الثقافي الحيوي، فهو مفهومٌ أحدث نسبياً، يقوم على الربط البنيوي بين التّنوع البيئي والتّنوع الثقافي واللغوي، ويُعدّ ثمرة التقاء علوم البيئة والأنثروبولوجيا وحقوق الشعوب الأصلية، وتكمن خصوصيته في كونهِ منظوراً دفاعياً يُقارب الثقافة والبيئة بوصفهما شبكة مترابطة من القيم، ويُشدّد على ضرورة الحفاظ على هذه الشبكة كوحدةٍ واحدة، إذ إن تراجع التنّوع البيولوجي يرافقه عادةً تراجع في التنوع الثقافي واللغوي.
أما إذا ما استعملنا مصطلح “الهوية الإيكولوجية الثقافية” ، فهي تقع في منطقةٍ وسطى بين هذين المفهومين؛ إذ تستبطن جانباً تفسيرياً يُحلل علاقة الإنسان ببيئته، لكنها تتقدّم خطوةً نحو التأسيس لهويةٍ متجذّرةٍ في البيئة والثقافة معاً، إذ لا تكتفي بتفسير سلوك الإنسان استجابةً لظروفه، ولا تقف عند حدود المناصرة الحقوقية، إنما تسعى لفهم الذات الإنسانية بوصفها كياناً متكوّناً من المكان والثقافة في آنٍ واحد
وفي زمنٍ تتنازعُ فيه الهويّات بين التبدّل والانغلاق، ويتفاقم الصراع البيئي بين الطبيعة والبشر، يظهر هذا المفهوم المختلف لا ليضيف لبنةً فوق البناء التقليدي انما ليقلبَ الأساس بوصفه انعكاساً لتفاعل الذات مع بيئتها، وتحوّل الثقافة إلى مرآة للطبيعة.
في هذا المنظور، لا تكون الهوية محضَ تراكمٍ رمزيٍ أو ميراثٍ لغوي، بقدر ما تكون امتداداً عضوّياً للأرض والمناخ والأنظمة البيئية التي تُنشئ الإنسان وتُعيد تشكيله.
وتاتي قوته من عناصره :
•الهوية، بوصفها إحساساً متجذّراً بالذات ضمن جماعة.
•الإيكولوجيا، باعتبارها علم التفاعل بين الكائنات وبيئتها.
•الثقافة، باعتبارها نسقاً من المعاني والسلوكيات التي يكتسبها الإنسان في مكانٍ محدد.
وعندما تتفاعل هذه العناصر، تنشأ هوية ذات طابع مزدوج: بيئي وثقافي، تُبنى عبر الحواس والتجربة والعيش، لا عبر الشعارات أو التعريفات الرسمية.
بقليلٍ من البحث كان غريغوري بيتسون من أوائل من نَبَّه إلى هذا البُعد التفاعلي، حيث كتب:
“العقل ليس في الرأس وحده… بل هو في التفاعل بين الكائنات، في العلاقة بين الإنسان والبيئة”
من جانبه، حذّر ديفيد أور من اختزال الإنسان إلى مستهلكّ غريب عن الأرض، قائلاً:
“ لا يُعدُّ الجهل البيئي نوعاً من الأُمية ، إنما أزمةً في الهوية الثقافية ذاتها “
أما ميتشل توماشاو، فقد ذهب أبعد، وكتب كتاباً كاملاً بعنوان Ecological Identity، عرّف فيه الهوية البيئية بأنها:
" تلك الطريقة التي يُدرك بها الفرد ذاته من خلال علاقته بالمكان، والأنظمة الطبيعية المحيطة به، والمجتمعات التي تتقاسم ذلك المكان"
عربياً، يمكن تتبع هذا المفهوم في أعمال بعض المفكرين مثل عبد الله الغذامي، الذي لاحظ في تحليلاته أن تحوّل العمران يؤدي إلى تحوّل في الوعي والهوية، مشيراً إلى “ تشكل الهوية بفعل تحولات المكان والزمن”.
أما عبد السلام بنعبد العالي، فقد أكّد على أن “الانتماء الحقيقي يُبنى حين يكون الإنسان جزءاً من الأرض التي يعيش عليها، لا فوقها”.
ولعلَّ هذا المفهوم، وفق ما طُرح من آراء، يلتقي مع التجربة الثقافية المحلية، ولا سيما في العراق، إذ ما تزال العمارة التقليدية والعادات البيئية شاهدةً على هويةٍ صيغت بوعي مناخي وجمالي.
إنَّ مضايفَ القصب في الجنوب، والبيوت الطينية في السهلِّ الرسوبي، وطُرز البناء في الجبال، إلى جانب ما يرتبط بالبيئة من مأكل وملبس ولهجات وعادات هي تعبيرات حيّة عن انسجام الإنسان مع محيطه.
إنّ الهوية الإيكولوجية الثقافية دعوةٌ لإعادةِ التفكير في الحاضر، وبناءِ وعيٍ جديد بأنفسنا من خلال العلاقة التي تربطنا بأرضنا وبيئتنا وتاريخنا المعيشي، وهي لا تُختزل في الخطاب السياسي أو الرمزي، انما تُصاغ عبر تفاعل طويل الأمد بين الإنسان والمكان، بين ما نأكله ونلبسه ونبنيه ونردّده في أمثالنا وأناشيدنا.
وعندما تنفصل الثقافة عن بيئتها، وتُفرَغ من مضمونها الإيكولوجي، تفقد تدريجياً قدرتها على الاستمرار والتميّز. فالبيئة التي تُهمَل تأخذ معها شيئاً من الثقافة، ومن اللغة، ومن الانتماء الصامت.
الهوية الإيكولوجية الثقافية، هي رؤية عملية لإعادة ربط الإنسان بجذوره: الطبيعية، والاجتماعية، والرمزية. وكلما ترسّخ هذا الإدراك، أمكننا أن نُعيد بناءَ مدننا ومناهجنا ومؤسساتنا على قاعدةٍ لا تنفصلُ فيها البيئةُ عن الذاكرة، ولا الذاكرةُ عن الإنسان.
المصادر:
١- Mark Q. Sutton & E. N. Anderson, Introduction to Cultural Ecology, Routledge, New York, 2014.
2. Gregory Bateson, Steps to an Ecology of Mind, University of Chicago Press, 1972.
3. David W. Orr, Earth in Mind: On Education, Environment, and the Human Prospect, Island Press, Washington, 1994.
4. Mitchell Thomashow, Ecological Identity: Becoming a Reflective Environmentalist, MIT Press, 1996.
5. عبد الله الغذامي، الهوية والحداثة: من الموجة إلى العقلانية النقدية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2009.
6. عبد السلام بنعبد العالي، الهوية والتفكير الهارب، دار توبقال، الدار البيضاء، 2013.
7. مارك أوجيه، الأنثربولوجيا في مواجهة العالم، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2008.