ثقافة الإلغاء وجلد الذات في زمن التشظّي الرقمي

2026/03/15

منتصر صباح آل شمخي الحسناوي

قبل أكثر من عام كتبتُ كتاباً عن ثقافة الإلغاء، حاولتُ فيه تفكيك هذا المصطلح الذي أخذ ينتشر في الخطاب الثقافي والإعلامي في السنوات الأخيرة.

كان السؤال الذي انطلقتُ منه بسيطاً: ماذا يحدث للمجتمع عندما يتحول الخلاف الطبيعي إلى رغبة في إسقاط الآخر وإلغائه؟

يومها بدا واضحاً أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الاختلاف نفسه، فالاختلاف سمة أي مجتمع حيّ، وإنما في اللحظة التي يتوقف فيها الحوار ويبدأ الإقصاء. في تلك اللحظة يتحول النقاش إلى ساحة محاكمات وتتحول الكلمات إلى أدوات إسقاط ويغدو الهدف نفي الآخر معنوياً من المجال العام بدلاً من فهمه.

اليوم، ونحن نعيش المشهد العراقي، تبدو هذه الفكرة أقرب إلى الواقع من كونها مجرد مفهوم نظري.

فـ "ثقافة الإلغاء" لم تعد حالة معزولة في بعض النقاشات الثقافية، وإنما أصبحت ظاهرة يمكن ملاحظتها في الخطاب العام وفي وسائل الإعلام وفي الفضاء الرقمي (الساحة الأوسع للنقاشات الاجتماعية والسياسية).

المفارقة أن هذا يحدث في وقت يمر فيه البلد بتحديات كبيرة تمسّ أمنه واستقراره واقتصاده ومستقبله السياسي والبيئي والاجتماعي.

الأخطاء موجودة بلا شك، والاختلافات السياسية أمر طبيعي في بلد متعدد الاتجاهات مثل العراق.

تعدد الأحزاب وتباين الرؤى واختلاف الإدارات كلها ظواهر مألوفة في أي نظام سياسي معقد وفيه تراكمات كبيرة من الاحداث.

"لكن" مثل هذه الظروف تخبرنا تجارب المجتمعات، ونظريات الاجتماع السياسي، أن الخطر الخارجي غالباً ما يدفع المجتمعات إلى تخفيف خلافاتها الداخلية مؤقتاً، وأن نوعاً من التماسك يظهر دفاعاً عن الوطن.

لكن ما نراه اليوم يبدو مختلفاً.

فبدلاً من أن ينحسر خطاب الإلغاء، نجده يظهر بقوة في كل الاتجاهات، حتى يبدو المشهد وكأن الجميع منشغل بإلغاء الجميع.

"هنا " يظهر ما يمكن تسميته بجلد الذات الجماعي؛ حالة يصبح فيها المجتمع شديد القسوة على نفسه، فيتحول النقد من وسيلة إصلاح إلى وسيلة استنزاف.

غير أن فهم هذه الظاهرة لا يكتمل بالنظر إلى السياسة وحدها، فجزء مهم من القصة يرتبط بتحول كبير في طبيعة المجال العام نفسه، وهو التحول الذي أحدثته وسائل التواصل الاجتماعي.

لقد أصبح الفضاء الرقمي اليوم المكان الذي تتشكل فيه كثير من الآراء والانطباعات.

غير أن هذا الفضاء لا يعمل بالطريقة التي نتخيلها غالباً، فهو لا يجمع الناس حول طاولة واحدة للنقاش كما يبدو في الظاهر، وإنما يقسمهم في كثير من الأحيان إلى دوائر صغيرة متشابهة التفكير.

"الخوارزميات" التي تدير هذه المنصات تميل إلى عرض ما يشبه آراء المستخدم أو ما يثير انفعاله.

ومع الوقت يبدأ الناس بالعيش داخل ما يسميه علماء الاجتماع "غرف الصدى" بيئات يسمع فيها الفرد صدى أفكاره أكثر مما يسمع الآراء المختلفة.

في مثل هذه البيئة يتضخم الخلاف سريعاً، فما يبدو داخل الدائرة الخاصة رأياً بديهياً، يظهر خارجها وكأنه موقف متطرف أو معادٍ.

وهنا يلتقي عاملان في لحظة واحدة:

الاستقطاب السياسي من جهة، وطبيعة الفضاء الرقمي من جهة أخرى.

والنتيجة هي ما يمكن وصفه بـ "التشظّي الاجتماعي في الفضاء الرقمي" مجتمع واحد يعيش في الواقع، لكنه يظهر في الإنترنت وكأنه عدة مجتمعات متصارعة.

عند هذه النقطة يصبح خطاب الإلغاء أكثر جاذبية وانتشاراً من الخطاب المتوازن، لأن اللغة الحادة والاستفزازية تحظى بتفاعل أكبر، وهو ما يجعلها تنتشر بسرعة أوسع.

لذا سيبدو المشهد وكأن المجتمع كله منقسم إلى معسكرات متناحرة، بينما الواقع الاجتماعي قد يكون أقل حدة مما يظهر على الشاشات.

ما يحدث إذن ليس مجرد خلاف سياسي، وإنما تفاعل معقد بين السياسة والإعلام الرقمي والثقافة العامة.

وهنا تبرز المفارقة التي تستحق التأمل: عندما يتحول الخلاف إلى ثقافة إلغاء متبادل، فإن المجتمع لا يكتفي بإضعاف خصومه، وإنما يضعف نفسه أيضاً بموازاة اضعافه من القوى الخارجية، لتتحول طاقاتها الداخلية إلى صراع دائم مع الذات.

ومن هنا يصبح السؤال أكثر أهمية من أي إجابة جاهزة:

كيف يمكن الحفاظ على النقد كأداةٍ للإصلاح من دون أن يتحول إلى جلد جماعي للذات؟

وكيف يمكن إدارة الاختلاف كعلامةٍ للصحة الاجتماعية من دون أن يتحول إلى ثقافة إلغاء تقوّض الثقة بين مكونات المجتمع؟

ربما يبدأ الجواب من إدراك بسيط:

الاختلاف لا يهدد المجتمع، لكن الرغبة في إلغاء الآخر قد تفعل ذلك.

وما نزال نلغي بعضنا وبإرادتنا وما تمليه علينا ايحاءات الشاشة الصغيرة وهذا جلدٌ للذات ايضاً.