الثقافة العراقية - وزارة لا تحتمل التهميش
2026/05/06
منتصر صباح آل شمخي الحسناوي
بمجرد الحديث عن بناء الدول، يتجه التفكير غالباً نحو الاقتصاد والأمن والسياسة والخدمات، بينما تُترك الثقافة في كثير من الأحيان على هامش الاهتمام وكأنها ملف ثانوي يمكن تأجيله أو التعامل معه كنشاط ترفيهي لا يمس جوهر الدولة.
والواقع أنها أهم ركائز الاستقرار والهوية والوعي الجمعي بما تمثله من ذاكرة تحفظ المجتمع من التفكك واللغة التي يتفاهم بها مع ذاته ومع العالم.
وزارة الثقافة العراقية واحدة من أكثر الوزارات التي تعرضت للتهميش خلال العقود الماضية، رغم أنها تمثل في حقيقتها وزارة الهوية العراقية، فالتهميش الذي عانت منه بسبب الضعف في التخصيصات المالية أو محدودية المشاريع كان بمثابة تراجعٍ في الإيمان بدور الثقافة نفسها داخل الدولة العراقية الحديثة.
ولعل أحد أسباب هذا التراجع يعود إلى الإرث الثقيل الذي حملته المؤسسة الثقافية من مرحلة النظام السابق، إذ كانت الثقافة آنذاك إحدى أدوات التوجيه السياسي والإعلامي التي استُثمرت بصورة كبيرة في تكريس خطاب السلطة وتوجيه الرأي العام بما يخدم النظام الديكتاتوري.
ولهذا تشكل بعد 2003 نوع من النفور غير المعلن من منح الثقافة مساحة تأثير واسعة وكأن تقليص دورها هو حماية من عودة الخطاب الأحادي.
لكن ما حدث عملياً أن العراق انتقل من الإفراط في تسييس الثقافة إلى نوع من الإهمال لها ، ففقد التوازن المطلوب بين حرية الإبداع وبين الدور الوطني للمؤسسة الثقافية.
وخلال العقدين الماضيين، ظهر أثر هذا الفراغ بوضوح من خلال تمدد الهويات الفرعية وضعف الخطاب الوطني الجامع وتراجع المشاريع الثقافية القادرة على بناء وعي مجتمعي متماسك.
لقد بقيت الوزارة تتأرجح بين الدمج والفصل والتحييد، خصوصاً بعد فصل الإعلام عنها، وهو ما أفقدها واحدة من أهم أدوات التأثير المجتمعي.
كما تحولت كثير من النشاطات الثقافية إلى فعاليات محدودة الأثر أو مناسبات بروتوكولية لا تنعكس بصورة حقيقية على الواقع الثقافي العراقي.
ومع ذلك، فإن الوزارة، رغم ما فقدته من كوادر وكفاءات نتيجة الفوارق الكبيرة في الرواتب والامتيازات بينها وبين مؤسسات الدولة الأخرى، ما زالت تحافظ على استمراريتها من خلال دوائرها بما تمتلكه من إرث ثقافي وإرادة من قبل كوادرها الوفية.
فـدار الشؤون الثقافية العامة تواصل إصدار الكتب والطباعة والنشر، محاولةً الحفاظ على حركة التأليف العراقية واستمرار الكتاب بوصفه حاملاً للمعرفة ورسالة ثقافية موجهة للعالم بأسره، كما تستمر دار المأمون للترجمة والنشر في أداء دورها كنافذة عراقية على الثقافات العالمية، عبر الترجمة والانفتاح المعرفي، فيما تواصل دار النشر الكردية أداء دورها في حماية التنوع اللغوي والثقافي العراقي.
وهنا أيضاً للكتاب محطة تأريخية تتمثل بدار الكتب والوثائق تلك الثيمة المهمة في الحفاظ على الإرث الثقافي العراقي ..
أما دائرة السينما والمسرح فقد واجهت ظروفاً شديدة القسوة، بدءاً من ضعف الدعم، مروراً بالظروف الأمنية، وانتهاءً بغياب البيئة المستقرة التي يحتاجها الإنتاج الفني. و على الرغم من ذلك، استمرت السينما والمسرح بالحضور المحلي والدولي بتقديم الاعمال والمهرجانات لتؤكد أن الفن العراقي ما زال قادراً على الحياة.
وفي جانب آخر، حافظت دائرة الفنون الموسيقية على استمرارية الموسيقى العراقية رغم التحولات الاجتماعية الكبيرة التي شهدها العراق بعد 2003. فالموسيقى العراقية لم تكن مجرد لون فني، وإنما جزء من الذاكرة الوطنية والوجدان الشعبي.
ورغم الصعوبات، استمرت المؤسسات التابعة لها مثل المعهد الموسيقي والمدرسة الموسيقية والباليه في أداء دورها التربوي والفني، كما واصلت الفرق الموسيقية العراقية حضورها الوطني وبقيت الفرقة السمفونية الوطنية العراقية شاهداً على قدرة الفن العراقي على الصمود حتى في أصعب الظروف.
ولا يمكن الحديث عن الثقافة العراقية دون التوقف عند الفن التشكيلي، الذي يمثل واحداً من أبرز ملامح الهوية الفنية العربية.
فالعراق كان ولا يزال من أهم البيئات العربية التي أنجبت فنانين ومدارس تشكيلية تركت أثراً واسعاً في العالم العربي وخارجه، امتزج الفن العراقي بالحضارات القديمة والخط العربي والرموز الشعبية، ليخلق لغة بصرية خاصة به.
ورغم الهجرة والحروب وتراجع الدعم، بقيت دائرة الفنون العامة والفنانون العراقيون يحاولون الحفاظ على هذا الإرث عبر المعارض والملتقيات والفعاليات الفنية.
أما دار ثقافة الأطفال فهي واحدة من أكثر الدوائر أهمية على مستوى المستقبل، لأن بناء الهوية يبدأ من الطفولة.
فالطفل العراقي اليوم يعيش وسط عالم رقمي مفتوح تتداخل فيه الثقافات واللغات والمنصات وإذا لم يمتلك قاعدة ثقافية عراقية راسخة، فإنه سيكون عرضة للذوبان داخل هويات مشوشة أو مستوردة.
ولهذا فإن ثقافة الطفل تمثل مشروعاً وطنياً لصناعة جيل يعرف تاريخه وثقافته ورموزه الحضارية.
ويزداد الأمر أهمية عند إدراك إرث العراق لثروة هائلة من الحكايات والأساطير والرموز الشعبية والشخصيات التاريخية التي يمكن تحويلها إلى مشاريع ثقافية حديثة للأطفال، عبر الكتب والمسرح والرسوم المتحركة والأنشطة التفاعلية.
ومن المؤسسات التي تكشف حجم التراجع الذي أصاب البنية الثقافية العراقية يأتي قصر المؤتمرات، الذي يُعد واحداً من أبرز المعالم المؤسسية الحديثة في العراق.
فهذا الصرح يمثل واجهة حضارية وسياسية وثقافية للعراق، ومركزاً قادراً على احتضان المؤتمرات الدولية والقمم الفكرية والثقافية والفنية الكبرى، غير أن القصر وبعد عام 2001، فقد جزءاً كبيراً من دوره الطبيعي نتيجة استثماره من قبل المجلس الوطني ومن ثم الجمعية الوطنية ومن ثم مجلس النواب العراقي، الأمر الذي انعكس بصورة واضحة على طبيعة نشاطه وإمكاناته الوظيفية.
فالعراق الذي يمتلك تاريخاً حضارياً بهذا العمق ويطمح إلى استعادة موقعه الثقافي والإقليمي، يحتاج إلى صناعة مؤتمرات حقيقية تمتلك بنية احترافية قادرة على جذب الفعاليات العربية والدولية وتحويل بغداد إلى مركز للحوار الثقافي والفكري والسياحي .
إن قصر المؤتمرات يمكن أن يكون أكثر من مبنى حكومي فهو مشروع اقتصادي وثقافي ودبلوماسي في آن واحد، إذ تستطيع المؤتمرات والمعارض والملتقيات الدولية أن تخلق حركة سياحية وثقافية واقتصادية واسعة، فضلاً عن دورها في إعادة تقديم صورة العراق للعالم.
كما أن إعادة تفعيل القصر ضمن رؤية ثقافية حديثة سيمنح العراق فرصة لبناء صناعة مؤتمرات متكاملة، ترتبط بالجامعات ومراكز البحوث والمؤسسات الثقافية والفنية وتفتح المجال أمام استضافة الفعاليات الدولية التي تعيد للعاصمة العراقية حضورها التاريخي كإحدى أهم الحواضر الثقافية في المنطقة.
كذلك، من المؤسسات الثقافية التي تمثل جانباً مهماً من الهوية العراقية، دار الأزياء العراقية، التي تمثل مشروعاً ثقافياً بصرياً قدّم العراق عبر تفاصيله التراثية وتنوعه الاجتماعي والحضاري بعروض فنية ومشاركات دولية حملت صورة مختلفة عن العراق لذا فإنّ الحفاظ على دار الأزياء العراقية وتطويرها يمثل حفاظاً على جزء من الذاكرة العراقية البصرية بطريقة فنية قادرة على مخاطبة العالم بلغة يفهمها الجميع.
ومن بين أهم الدوائر أيضاً دائرة العلاقات الثقافية العامة وهي من حيث المهام والآليات أشبه بوزارة خارجية ثقافية مصغّرة للعراق.
فهذه الدائرة يفترض أن تكون الجسر الذي يربط الثقافة العراقية بالعالم ويعيد تقديم العراق بما يمتلكه من إرث ٍثقافي وهذا يمنحه قوة هائلة إذا ما أُحسن استثمارها.
فدائرة العلاقات الثقافية العامة تستطيع أن تكون أداة فاعلة للقوة الناعمة العراقية، عبر الترجمة، والأسابيع الثقافية والتعاون مع المؤسسات العالمية واستقطاب الفعاليات الدولية وإبراز صورة العراق الحضارية بدلاً من اختزالها في صور الحروب والأزمات.
كما تؤدي هذه الدائرة دوراً مهماً داخل العراق نفسه، عبر شبكة البيوت الثقافية المنتشرة في المحافظات، والتي يفترض أن تتحول إلى مراكز حقيقية للحياة الثقافية، لا مجرد أبنية إدارية محدودة النشاط.
فالبيت الثقافي يمكن أن يكون فضاءً لاكتشاف المواهب وإحياء التراث المحلي وتعزيز التفاهم بين المجتمعات العراقية المختلفة ضمن إطار الهوية الوطنية الجامعة.
ويشكل ملف الآثار أحد أكثر الملفات التي تكشف حجم التحدي والإمكان في آن واحد فمنذ توقف التنقيبات الواسعة جراء حروب وحصار القرن الماضي وما تبع ذلك من أحداث تعرضت خلالها الآثار العراقية إلى الإهمال والنهب والتخريب، خصوصاً بعد 2003، ثم ما ارتكبته الجماعات المتطرفة مثل داعش من جرائم بحق الإرث الحضاري العراقي.
ورغم ذلك، استطاعت الهيئة العامة للآثار والتراث استعادة آلاف القطع الأثرية من الخارج، وبدأت بمشاريع صيانة وترميم للمواقع الأثرية والتراثية والمخطوطات ضمن الإمكانات المتاحة، في وقت لا تزال فيه آلاف المواقع غير منقبة وآلاف القطع مخزونة دون عرض لغياب المتاحف الحديثة التي تليق بحضارة العراق.
وفي السياحة، عانى العراق لعقودٍ من الحروب والحصار والاحتلال والإرهاب وعدم الاستقرار، وهو ما منع بناء قطاع سياحي متكامل وحتى السنوات التي شهدت استقراراً نسبياً لم تكن كافية لتطوير بنية سياحية حقيقية، فبقي النشاط السياحي محصوراً إلى حد بعيد بالسياحة الدينية، رغم أهميتها، لكنها وحدها لا تكفي لبناء اقتصاد سياحي مستدام.
واليوم، ومع الحديث عن فصل الثقافة عن السياحة والآثار، يعود السؤال الحقيقي: ماذا نريد من وزارة الثقافة العراقية؟
هل نريدها وزارة هامشية للنشاطات الموسمية؟
أم نريدها مؤسسة تصنع الوعي وتحمي الهوية وتبني صورة العراق داخلياً وخارجياً؟
إن الثقافة العراقية مشروع وطني يرتبط بالحفاظ على الأقليات وصيانة التنوع وحماية الذاكرة العراقية وتعزيز الهوية الجامعة ومواجهة الذوبان الثقافي في عصر العولمة والتكنولوجيا المتسارعة.
العالم اليوم يتحرك ويسيطر ويستثمر بالقوة الثقافية، بينما تفقد الدول المهملة لثقافتها قدرتها على تعريف نفسها مع مرور الزمن.
ولهذا فإن وزارة الثقافة العراقية لا تحتاج إلى من يتعامل معها بوصفها حصة سياسية، وإنما إلى رؤية وطنية تؤمن بأن الثقافة استثمار طويل الأمد في استقرار العراق وصورته ومستقبله، لأن العراق الذي قدّم للعالم أولى الحضارات والكتابات والأساطير والفنون، يستحق أن تكون ثقافته في صدارة الاهتمام لا على هامشه.
ولهذا فإن المرحلة القادمة تتطلب من أصحاب القرار والقوى السياسية أن تنظر إلى الثقافة بوصفها ملفاً سيادياً يرتبط بأمن العراق الفكري والاجتماعي، ولا سيما مع ما تشهده المنطقة والعالم من مخاضات وتحولات متسارعة وصراعات تتجاوز حدود السلاح إلى التأثير على الوعي والهوية والانتماء، تصبح الثقافة خط الدفاع الأول في حماية المجتمع وتعزيز تماسكه.
إن العراق بحاجة اليوم إلى مشروع ثقافي وطني يحصّن الأجيال أمام محاولات التشويه والتطرف والذوبان الثقافي.
فالثقافة الواعية قادرة على أن تكون الدرع الحاجز والسد المنيع بوجه كل من يحاول الإساءة إلى العراق أو تفكيك صورته أو إضعاف انتماء أبنائه إليه.
ولهذا فإن دعم وزارة الثقافة استثمار طويل الأمد في استقرار العراق وصورته ومكانته ومستقبل أجياله.