السياسة تحت ضغط الإلغاء

2026/06/11

منتصر صباح آل شمخي الحسناوي

في لقاء جمعني مع رئيس الوزراء السابق قلت له ممازحاً وفي الكلام شيء منالجدية: لقد ندمت على أنني طبعت كتاب “ثقافة الإلغاء” قبل سنتين، فلو تأخرصدوره إلى اليوم لوجدت في الواقع العراقي وما تعرضت له مادة إضافية تكفيلفصول جديدة كاملة.

انتباهي لهذه الظاهرة أو الثقافة كفكرة ترافقني كلما تابعت سجالاً سياسياً أو حملةإلكترونية أو موجة من الاتهامات التي تجتاح المشهد العام ثم تختفي لتحل محلهاموجة أخرى.

ولم يكن المقصود شخصاً بعينه، فالرجل مجرد مثال من أمثلة كثيرة شهدها العراقخلال السنوات الأخيرة، طالت سياسيين وإعلاميين وأكاديميين وناشطين وشخصياتاجتماعية مختلفة.

بعض تلك الحالات استند إلى نقد مشروع ومساءلة حقيقية وهو أمر طبيعي وصحيفي أي نظام ديمقراطي، فيما حمل بعضها الآخر سمات ظاهرة مختلفة تقوم علىنزع الشرعية عن الشخص نفسه ومحاولة إقصائه من المجال العام وتحويله إلىهدف دائم للهجوم والتجريم الاجتماعي وهي الظاهرة التي باتت تُعرف عالمياً بـ”ثقافة الإلغاء”.

ومن المهم هنا التمييز بين المساءلة والإلغاء، فالمساءلة حق ديمقراطي أصيل،يقوم على محاسبة المسؤول أو السياسي أو المؤسسة على قراراتها وأدائها ونتائجأعمالها.

أما الإلغاء فيتجاوز نقد الفعل إلى استهداف الفاعل نفسه ويتحول من مناقشةالقرار إلى السعي لإسقاط الشخص معنوياً وتجريده من أي شرعية أو حق فيالمشاركة بالنقاش العام، بغض النظر عن الوقائع أو إمكان التصحيح أو حتى حقالدفاع.

التنافس السياسي في جوهره ظاهرة صحية، فالديمقراطية تقوم على تعدد الآراءوتنوع البرامج وتنافس الرؤى التي تمكّن المواطن من الاختيار بين مشاريع مختلفةوالأحزاب تتنافس لإقناعه بقدرتها على إدارة الدولة وتحسين حياته.

غير أن جزءاً من المشهد العراقي أخذ يتجه خلال السنوات الأخيرة نحو مسار مختلف،إذ تحولت بعض المنافسات من مناقشة البرامج إلى استهداف الأشخاص ومن نقدالأداء إلى محاولة تحطيم الخصم سياسياً أو اجتماعياً.

هذا التحول لم يأت من فراغ، فالعراق يعيش تجربة ديمقراطية لا تزال فتية قياساًبعمر الديمقراطيات الراسخة، بعد عقود طويلة من الحروب والصراعات والعقوباتوالانقسامات السياسية والاجتماعية.

كما أن ضعف الثقة بالمؤسسات وارتفاع مستويات الاستقطاب وتداخل الإعلامبالسياسة أو العكس، جميعها عوامل ساهمت في خلق بيئة أكثر قابلية لتصاعدالإلغاء السياسي بمختلف أشكاله.

ومع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي دخل عامل جديد غيّر قواعد المشهد العامبصورة غير مسبوقة.

فبعد أن كانت صناعة الرأي العام تحتاج إلى مؤسسات إعلامية كبيرة تمتلك القدرةعلى الوصول والتأثير، أصبح بالإمكان إطلاق موجة واسعة من التفاعل عبر منشور أوصورة أو مقطع قصير يصل إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات قليلة.

وهنا تمثل وسائل التواصل الاجتماعي وسيلة لتسريع انتشارها وتضخيم آثارها،فالمنصات الرقمية تمنحه سرعة وانتشاراً لم تعرفهما المجتمعات سابقاً وتجعلردود الفعل الجماعية أكثر قدرة على التأثير في المجال العام.

وتزداد هذه الظاهرة وضوحاً مع اتساع الحضور اليومي للأفراد في الفضاء الرقمي،فجزء كبير من الحياة الاجتماعية والإعلامية والسياسية بات يُدار عبر الشاشاتوالمنصات الإلكترونية وأصبحت متابعة الأحداث والتفاعل معها نشاطاً يومياً لملايينالأشخاص، الأمر الذي يمنح القضايا المثيرة للجدل قدرة أكبر على الانتشار والتضخمخلال فترات زمنية قصيرة.

في هذه البيئة قد تتحول شائعة إلى قضية رأي عام خلال ساعات وقد يُدان شخص أومؤسسة قبل اكتمال المعلومات المتعلقة بهما، فتتقدم الانطباعات على الوقائعوتصبح سرعة التفاعل أحياناً أكبر من سرعة التحقق، ويتحول الضجيج الرقمي إلىعنصر مؤثر في تشكيل المواقف العامة.

آثار هذه الظاهرة وان كانت تتمثل بطابع شخصي غالباً لكنها تمتد إلى عملية صناعةالقرار نفسها.

المسؤول الذي يدرك أن أي قرار قد يتحول خلال ساعات إلى مادة لحملة إلكترونيةواسعة يبدأ بالتفكير بطريقة مختلفة، وبدلاً من أن يقتصر السؤال على ما إذا كانالقرار يحقق المصلحة العامة، يظهر سؤال آخر يتعلق بحجم ردود الفعل المتوقعةوكيفية استقبال القرار في الفضاء الرقمي.

السياسي أو المسؤول هو جزء من المجتمع والإصغاء له جزء أساسي من العملالديمقراطي، غير أن المشكلة تظهر عندما تتحول ردود الفعل الآنية إلى عامل ضاغطيتجاوز وزنها الحقيقي في عملية صنع السياسات وعندما يصبح الخوف من الهجومالإلكتروني مساوياً أو أكبر من الخوف من فشل المشروع نفسه.

عند هذه النقطة قد يفقد القرار جزءاً من استقلاله المهني ويجد المسؤول نفسهمنشغلاً بإدارة صورته العامة بقدر انشغاله بإدارة المؤسسة التي يقودها.

وقد يؤدي ذلك إلى تأجيل قرارات ضرورية أو تجنب إصلاحات مهمة أو التردد في تبنيخيارات تحتاجها الدولة على المدى البعيد لكنها لا تحظى بشعبية فورية.

لذا اصبح شائعاً تأثر تلك القرارات بحجم التفاعل الرقمي أكثر من تأثرها بنتائجالدراسات أو التقديرات المهنية، الأمر الذي يدفع كثيراً من الساسة إلى التفكيربمنطق الدورة الإعلامية القصيرة بدلاً من التفكير بمنطق التخطيط الإستراتيجيطويل الأمد.

ويمتد الأثر إلى الكفاءات المحتملة أيضاً، فعندما يرى الأكاديمي أو الخبير أو المهنيحجم الاستهداف الشخصي الذي قد يتعرض له من يتولى موقعاً عاماً، قد يفضلالبقاء بعيداً عن المسؤولية التنفيذية وهنا تخسر الدولة خبرات هي بأمس الحاجةإليها بسبب ارتفاع الكلفة الشخصية والاجتماعية للعمل العام.

وهكذا تنشأ بيئة سياسية قصيرة النظر، تنجذب إلى المكاسب السريعة وتتردد أمامالقرارات التي تحتاج إلى وقت كي تظهر نتائجها.

ومع تراكم هذه الممارسات يصبح الترند شريكاً غير معلن في صناعة السياساتالعامة، لا لأنه يمتلك الشرعية الدستورية أو المسؤولية القانونية، وإنما بسبب قدرتهعلى التأثير في المزاج العام وصناعة الضغوط اللحظية.

ومع ذلك فإن معالجة هذه الظاهرة لا تعني الدعوة إلى الحد من حرية التعبير أوتقييد النقد، فالمجتمعات الديمقراطية تحتاج إلى الرقابة الشعبية والمساءلةالمستمرة وكشف الفساد واجب وطني ومحاسبة المقصرين ضرورة لا غنى عنها.

ويبقى الفرق واضحاً بين نقد القرار ومحاولة إلغاء صاحبه وبين مساءلة المسؤولوالسعي إلى إخراجه نهائياً من دائرة النقاش العام.

إن أخطر ما في تنامي الإلغاء السياسي أنه يحول النقاش من البحث عن أفضل الحلولإلى البحث عن أكثر الخصوم قابلية للاستهداف، وعندما يحدث ذلك تتراجع جودةالحوار العام، وتضعف قدرة المؤسسات على العمل بهدوء واستقرار ويصبح القرارأكثر هشاشة أمام موجات الانفعال الجماعي.

إن الدولة الحديثة لا تُبنى على التصفيق الدائم ولا على الإلغاء الدائم، وإنما على توازندقيق بين المساءلة والاستقرار وبين النقد والإنصاف وبين حرية التعبير واحترامالحقائق.

وكلما اقترب المجتمع من هذا التوازن ازدادت قدرته على إنتاج قرارات أكثر رشداًواستدامة.

أما حين يخاف السياسي من الترند أكثر مما يخاف من فشل المشروع، فإن القراريصبح أسير لحظة عابرة في الوقت الذي تحتاج فيه الدولة إلى رؤية تمتد لسنوات لاإلى ساعات.