روما تُضيء نقطة… والرافدين يحمل كأساً كاملاً
2025/11/25
منتصر صباح آل شمخي الحسناوي
لم أعرف السبب تماماً لكنّي كنت أتأخّر عن زيارة الآثار الرومانية في كل مرّة أسافر فيها إلى إيطاليا.
كانت رحلاتي تمرّ عبر ميلانو غالباً ثم أتابع مشاغلي دون أن أقترب من روما. بقيت آثارها بالنسبة لي مجرّد صور في الكتب والملصقات حتى جاء هذا العام ووجدت نفسي راغباً في تغيير المسار، أردت أن أدخل روما نفسها وأن أرى ما ظللت أؤجّله لسنوات.
ربّما كنت أبحث عن مقارنة غير معلنة وربّما رغبت أن أرى بعيني ما أطمح أن يتحقق يوماً في العراق، فكانت زيارتي للمسرح الروماني"الكولوسيوم" بداية تلك المقارنة.
في يوم ماطر وقفت أمام المدرّج العظيم، المطر كان غزيراً سماء رمادية وهواء بارد وأرض تلمع تحت وقع الخطى مع اوراق الشجر الخريفية المتناثرة.
ومع ذلك كانت الطوابير طويلة وممتدة والوجوه متجهة بثبات نحو البوابة كأنّها تسير إلى طقس قديم، المطر لم يُبدِّد الحماسة وسوء الجو لم يُبعد زائراً واحداً.
بدا وكأن للمكان قدرة خاصة على جذب البشر، قدرة تتخطّى الطقس وتلغي التقلبات.
عدتُ إلى الفندق في تلك الليلة أحمل سؤالاً واحداً في ذهني ما الذي جعل هذا الموقع يحتفظ بكل هذه الجاذبية؟
وعندما بدأت أبحث عن الأرقام ظهر أمامي أن عدد الزائرين يُعدّ بالملايين سنوياً، وأن عوائده المباشرة تتجاوز 100 مليون يورو، بينما تشير الدراسات إلى أن أثره الاقتصادي الشامل في السياحة يتخطّى مليار يورو سنوياً.
هذا الرقم وحده يكفي ليحوّل الكولوسيوم إلى نقطة ضوء في اقتصاد إيطاليا.
في تلك اللحظة بدأ ذهني يعود إلى العراق وبدأت المقارنة تتسع، المسرح الروماني نقطة صغيرة في التاريخ، بينما إرث الرافدين كأسٌ ممتلئ اذا ما اردنا التواضع، حضارة تمتد من سومر إلى أكد وبابل وآشور، آلاف المواقع التي تشكّل الجذور الأولى للمعرفة والمدينة والكتابة والقانون، هي الشيفرة الأولى للوعي الإنساني.
ومع ذلك بقي هذا الكأس بعيداً عن الضوء الذي يستحقه.
الكولوسيوم يشبه النقطة التي تُوضع في نهاية جملة لتمنحها قوةً إضافية، قوته ليست في الضخامة وحدها بل في الإدارة التي تقدّم حكايته والبنية التي تحيطه والتنظيم الذي يحوّله إلى مسرحٍ مفتوح لكل العالم.
كل شيء فيه يعمل باتجاه واحد: تحويل مَعْلم واحد إلى علامة عالمية.
في المقابل، تقف زقورة أور شامخة تحت شمس الناصرية وتحمل بابل آثارها العميقة قرب الفرات وتنام نينوى على طبقات من التاريخ وتبقى نمرود محتفظة بملامحها الملكية. كلها مواقع تملك صوتاً واضحاً إلا أن المنصة التي يفترض أن ترفع هذا الصوت للعالم ما تزال تحتاج إلى رؤية أعمق واستثمار يليق بوزن تاريخها.
"لو" أستثمرت آثار الرافدين بالمنطق الذي يُدار به الكولوسيوم، لتحوّلت أور وبابل ونينوى إلى عواصم للذاكرة البشرية ولأصبحت المقاصد الأولى للباحثين والسياح والمهتمين بتاريخ الإنسانية.
القيمة موجودة والعمق حاضر والتاريخ راسخ؛ وما يحتاجه هذا الكأس فقط هو يد ترفعه أمام العالم ليلمسه الضوء ، وهو سيشع للعالم أجمع .
خرجتُ من تجربة زيارة الكولوسيوم بدرس واضح "العالم لا يرى قيمة المكان من تلقاء نفسه"
العالم يرى ما يُقدَّم له وكيف يُقدّم، إيطاليا وضعت نقطة واحدة في الضوء فأصبحت رمزاً.
التأثير يعتمد على قدرة المؤثر نفسه، فالإرث يعيش في طريقة عرضه وتقديمه وحماية قصته وقبل كل ذلك بالإيمان به .