الرمزية في تشكيل الأحكام الاجتماعية
2026/06/29
منتصر صباح آل شمخي الحسناوي
مشهد ٌ طالما تكرر أمامنا حتى أصبح مألوفاً إلى درجة أننا لم نعد نتوقف عنده كثيراً. يجلس عدد من الأشخاص في مجلس، ويتحول الحديث إلى اسم معروف؛ مسؤول، أو سياسي، أو تاجر، أو شيخ عشيرة. تتكرر القصص بالنقد وعدم القبول عن طريقة جمع المال، أو استغلال النفوذ، أو المبالغة في الإنجازات، أو كثرة الوعود التي لم تتحقق، أو التناقض بين الخطاب والسلوك. ولا يبدو أن أحداً يدافع عنه فغالباً ما يكون هناك شبه اتفاق بين الحاضرين على هذا التوصيف. ثم يحدث ما يستحق التأمل. يدخل الرجل نفسه إلى المجلس، فتتغير نبرة الحديث، وت ُ حفظ الألقاب، وي ُ فسح له المكان، ويقف بعضهم لاستقباله، ويحرص آخرون على السلام عليه، وي ُ ستمع إلى حديثه باهتمام، وربما يطلبون التقاط صورة معه، ليخرج من المجلس أكثر احتراماً مما دخل إليه. ما الذي حدث؟ هل اكتشف المجتمع، خلال لحظات، أن كل ما كان يتداوله غير صحيح؟ هل تبدلت الوقائع؟ أم أن ثمة قوة أخرى تعمل داخل المجتمع، تجعل الإنسان يفصل بين ما يعرفه عن الشخص وبين الطريقة التي يتعامل بها معه؟ هذه المفارقة لا ترتبط بشخص بعينه، ولا بفئة اجتماعية محددة، وإنما تكشف عن آلية أعمق في تشكيل الأحكام الاجتماعية، وهي الآلية التي تجعل الانطباع ينافس الحقيقة، وربما يتقدم عليها أحياناً. يميل الإنسان، بطبيعته، إلى الاعتقاد بأن أحكامه تصدر عن العقل والمنطق، وأنه يزن الأشخاص بميزان واحد. لكن علم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي يقدمان صورة مختلفة، فالإنسان يتعامل مع الوقائع ومؤثراتها من خلال منظومة من الرموز والإشارات والانطباعات التي تتكون لديه عبر الزمن. فالكرم، والتدين، والمال، واللقب، والمضيف، والزي، والعلاقات، والصور، والحضور الإعلامي. كلها تتحول إلى رموز تحمل معاني تتجاوز حقيقتها المباشرة. الرمزية والنفوذ الاجتماعي ومن هنا تبدأ صناعة المكانة. فالمكانة الاجتماعية لا ت ُ ولد دفعة واحدة، ولا ت ُ منح بقرار رسمي، بل تتشكل تدريجياً من تراكم هذه الرموز حتى تصبح جزءاً من الصورة الذهنية التي يحملها المجتمع عن الفرد. ولهذا السبب، لا يتعامل الناس دائماً مع الشخص كما هو، وإنما كما يتصورونه، وهنا يظهر الفرق بين الحقيقة والانطباع. الحقيقة هي المجتمع عن تلك الوقائع. وقد تتطابق الصورتان، وقد تبتعدان كثيراً الوقائع التي يمكن التحقق منها، أما الانطباع فهو الصورة التي يبنيها عن بعضهما. ومن أكثر الأخطاء شيوعاً الاعتقاد بأن المجتمع يحترم الأشخاص بسبب أخلاقهم وحدها، أو بسبب إنجازهم وحده، أو بسبب تاريخهم وحده. فالاحترام الاجتماعي أكثر تعقيداً من ذلك؛ إنه حصيلة تراكم طويل من الرموز. قد يبدأ الأمر بوليمة كبيرة يقيمها أحدهم في مناسبة اجتماعية أو دينية، ثم تتكرر استضافته للناس في مضيفه، ثم يشارك في حل نزاع عشائري، ثم يمول نشاطاً خيرياً، ثم يبني جامعاً، ثم يظهر مع شخصية دينية، ثم ي ُ دعى إلى مناسبة رسمية، ثم تتكرر صوره في وسائل التواصل الاجتماعي، ليبدأ الناس بمناداته بلقب جديد. كل حدث من هذه الأحداث يبدو صغيراً إذا ن ُ ظر إليه منفرداً، لكنه، مع مرور الزمن، يتحول إلى لبنة في بناء صورة اجتماعية متكاملة. وهكذا تصنع المكانة. الرمزية وإعادة إنتاج النفوذ في المجتمع العراقي في المجتمع العراقي، تكتسب هذه العملية أهمية مضاعفة بسبب طبيعة الثقافة الاجتماعية نفسها، فالأسرة الممتدة، والعشيرة، والمضيف، والحي، والحسينية، والجامع، ومكان العمل، وشبكة العلاقات الشخصية، كلها فضاءات تمنح الفرد نوعاً من الاعتراف الاجتماعي. ولعل من أكثر ما يلفت الانتباه في العراق خلال العقود الأخيرة أن مصادر المكانة بدأت تتداخل بصورة غير مسبوقة. ففي الماضي، كانت الأدوار أكثر وضوحاً؛ عندما كان الشيخ شيخاً، ورجل الدين رجل َ دين، والتاجر تاجراً، والسياسي سياسياً. أما اليوم، فقد تجتمع هذه الصفات في شخص واحد يمتلك المال، ويشغل منصباً سياسياً، ويبني مضيفاً، ويمول نشاطاً دينياً، ويظهر في وسائل الإعلام، ويحضر المناسبات الاجتماعية، ويشارك في حل النزاعات العشائرية، ويقدم نفسه فاعل َ خير. كل واحدة من هذه الصفات تضيف طبقة جديدة إلى صورته العامة، ومع مرور الوقت، لا يعود المجتمع ينظر إلى تفاصيل سلوكه بقدر ما ينظر إلى الرمز الذي أصبح يمثله. وهنا تكمن بداية المشكلة. ولا يقصد هذا الطرح أن العمل الخيري وسيلة للخداع، أو أن بناء الجامع أو خدمة الناس عمل فاقد للقيمة، فهذه قيم إنسانية واجتماعية لا يستقيم المجتمع من دونها. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الفضيلة إلى حصانة، ويصبح السؤال عن مصدر المال أقل أهمية من جمع ثمنه، ويغدو المضيف دليلا ً على الوجاهة أكثر من كونه مكاناً حجم التبرعات، ويصبح بناء الجامع أكثر حضوراً من الحديث عن كيفية للضيافة. وحين يتحول لقب «الحاج» أو «الشيخ» أو «فاعل الخير» إلى شهادة حسن سلوك في كل القضايا الأخرى، عندها لا تكون الرمزية قد دعمت الحقيقة، وإنما بدأت تحل محلها. هذا التحول يتشكل بهدوء حتى يبدو طبيعياً ويكمن خطره في أن المجتمع يعتقد أنه ما زال يحكم على الأشخاص بالطريقة نفسها، بينما تكون الرموز قد أعادت ترتيب سلم القيم في داخله من دون أن ينتبه. ولهذا لا تبدو القضية مرتبطة بفساد شخص أو كذب آخر أو مبالغة ثالث، بل بطريقة تشكل الأحكام الاجتماعية نفسها، فالأحكام تصدر بعد قراءة الرموز. ومن هنا تبدأ الرحلة من الحقيقة إلى الانطباع الذي يحول هذه المكانة، مع مرور الوقت، إلى قوة اجتماعية قادرة على التأثير في نظرة المجتمع إلى الحقيقة نفسها. وإذا كانت المكانة الاجتماعية لا ت ُ بنى على الحقائق وحدها، فإن السؤال التالي يصبح أكثر أهمية: ما الذي يصنع هذه المكانة؟ بناء المكانة الاجتماعية ورأس المال الرمزي يقدم عالم الاجتماع الفرنسي «بيير بورديو» أحد أهم التفسيرات لهذه الظاهرة من خلال مفهوم «رأس المال الرمزي». فالثروة، في نظره، ليست الشكل الوحيد للقوة داخل المجتمع، وإنما هناك أنواع أخرى من «رؤوس الأموال» قد تكون أكثر تأثيراً من المال نفسه: رأس المال الاقتصادي، ورأس المال الثقافي، ورأس المال الاجتماعي، ثم رأس المال الرمزي، وهو الرصيد المعنوي الذي يكتسبه الفرد نتيجة الاعتراف الاجتماعي به، فيصبح اسمه، أو لقبه، أو حضوره، كافياً لإنتاج الثقة والاحترام والتأثير. وتكمن أهمية هذا المفهوم في أنه ينقلنا من سؤال: «ماذا يملك هذا الشخص؟» إلى سؤال آخر أكثر عمقاً: «كيف ينظر المجتمع إلى ما يملكه. ” فالمال، في حد ذاته، لا يصنع وجاهة، لكنه قد يتحول إليها عندما ي ُ ترجم إلى رموز يفهمها المجتمع ويمنحها قيمة أخلاقية أو اجتماعية. فيكتسب احتراماً دينياً، ويؤسس مضيفاً واسعاً، فيكتسب حضوراً ومن هنا تبدأ عملية تحويل الثروة إلى مكانة. قد يبني شخص جامعاً، عشائرياً، ويقيم الولائم في المناسبات، في ُ عرف بالكرم، ويتكفل بعوائل متعففة، في ُ وصف بفاعل الخير، ويظهر باستمرار في المناسبات العامة، فيترسخ حضوره في الوعي الجمعي. كل فعل من هذه الأفعال يضيف رصيداً جديداً إلى رأس ماله الرمزي، الذي يخفف أثر النقد، أو يعيد تفسيره، أو يمنح صاحبه قدرة أكبر على مقاومته؛ لأن هذه الأعمال، في أصلها، فضائل اجتماعية تستحق الاحترام. لكن السؤال يبدأ عندما تصبح هذه الرموز بديلا ً عن التقييم الموضوعي. فهل يكفي بناء جامع لإثبات النزاهة؟ وهل تتحول الولائم إلى دليل على العدالة؟ وهل يصبح المضيف شهادة على سلامة الذمة؟ وهل يمحو العمل الخيري الأسئلة المتعلقة بمصدر المال؟ هذه الأسئلة لا تنتقص من قيمة الفضائل، لكنها تضعها في موضعها الصحيح؛ فالفضيلة تضيف إلى الإنسان، لكنها لا تعفيه من المساءلة. في المجتمع العراقي، تكتسب هذه القضية حساسية خاصة؛ لأن الكرم يتجاوز كونه سلوكاً إلى كونه قيمة تأسيسية في الثقافة الاجتماعية. فقد ارتبطت الزعامة العشائرية والوجاهة الاجتماعية بقدرة الشخص على الكرم وفتح بابه للناس، وهي قيم أسهمت في حفظ التماسك الاجتماعي. غير أن التحولات الاقتصادية والسياسية التي شهدها العراق منذ عام 2003 أدخلت عنصراً جديداً إلى هذه المعادلة، وهو تضخم الموارد المالية لدى بعض الفاعلين السياسيين والاقتصاديين. ومع هذا التضخم، أصبحت صناعة الرموز أكثر سهولة من أي وقت مضى. فالمال قادر على شراء ما لم يكن ي ُ شترى في السابق؛ إذ يمكنه بناء مضيف خلال أشهر، وتمويل عشرات المناسبات، وإنشاء مؤسسة خيرية، ورعاية نشاطات دينية، ودعم فرق رياضية، وتمويل حملات إعلامية، ونسج شبكة واسعة من العلاقات الاجتماعية. وكل نشاط من هذه الأنشطة ي ُ نتج رمزاً جديداً ي ُ ضاف إلى الرصيد الاجتماعي لصاحبه. وهنا تظهر إحدى المفارقات اللافتة؛ فقد تجد شخصاً يتحدث الناس في مجالسهم الخاصة عن ثروة تحيط بها كثير من علامات الاستفهام، ثم يتحدثون، في المجلس نفسه، عن كرمه، ثم يزورونه في مضيفه، ثم يشكرونه على دعمه لمناسبة ما، ثم يصفونه بأنه «رجل موقف”. لا يعني ذلك أن الناس صدقت كل ما يقال عنه من فضائل، كما لا يعني أنها كذبت كل ما يقال عنه من انتقادات، وإنما يعني أن الرموز التي راكمها أصبحت جزءاً من الحكم الاجتماعي عليه. ومن الناحية النفسية، يبدو هذا الانتقال مريحاً للمجتمع؛ لأن التركيز على الفعل الخيري يمنح شعوراً بالامتنان، بينما يفرض التركيز على مصدر المال أسئلة محرجة قد تمس شبكة واسعة من المصالح والعلاقات. ولا يقتصر الأمر على المال، بل يمتد إلى الوجاهة الاجتماعية نفسها. فقد كانت المشيخة، في البناء العشائري التقليدي، نتاج تاريخ طويل من القيادة، وتحمل المسؤولية، وإدارة شؤون الجماعة، وحل النزاعات، وتحمل تبعات القرار. أما في بعض المظاهر المعاصرة، فقد أصبحت المشيخة، أحياناً أو كثيراً، ت ُ بنى عبر وفرة المال، واتساع العلاقات، والحضور الإعلامي، وكثرة المناسبات، حتى يغدو اللقب نتيجة للصورة أكثر من كونه امتداداً لتاريخ اجتماعي. ولعل بناء المضيف يمثل مثالا ً واضحاً على ذلك. فالمضيف، في الثقافة العراقية، مؤسسة اجتماعية محترمة، لعبت دوراً مهماً في تاريخ العشائر والريف العراقي، لكنه قد يتحول، في بعض الحالات، من فضاء لخدمة المجتمع إلى أداة لبناء المكانة. عندها تكون المشكلة في الغاية التي ي ُ ستخدم من أجلها، وينطبق الأمر نفسه على العمل الخيري وغيره من الرموز. دور المجتمع في صناعة الرمزية والمكانة ومن هنا نفهم لماذا لا يكون المجتمع دائماً ضحية خداع، بل شريكاً – من حيث لا يشعر – في صناعة هذه المكانة. فالمجتمع هو الذي يمنح الاعتراف، وهو الذي يكرر الألقاب، وهو الذي يربط بين الكرم والنزاهة، وبين التدين والصدق، وبين الوجاهة والكفاءة. فرأس المال الرمزي يكتسب قيمته من قبول المجتمع له؛ إنه عقد غير مكتوب بين الفرد والجماعة: يقدم الفرد رموزه، ويمنح المجتمع الاعتراف. ومع مرور الوقت، يتحول هذا الاعتراف إلى سلطة اجتماعية حقيقية، قد تصبح أحياناً أكثر تأثيراً من السلطة القانونية أو المنصب الرسمي، وذلك بفعل أثر الهالة (Halo Effect)، وهو الخطأ الذي يقع فيه الإنسان عند تقييم الآخرين؛ إذ إن امتلاك الشخص لصفة إيجابية بارزة يدفع الناس إلى افتراض امتلاكه صفات إيجابية أخرى، حتى من دون وجود دليل يربط بينها. فالوسيم يبدو أكثر ذكاء ً، والناجح يبدو أكثر كفاءة، والكريم يبدو أكثر نزاهة، والمتدين يبدو أكثر صدقاً، وصاحب المكانة يبدو أكثر حكمة. إنها ليست أحكاماً عقلية بقدر ما هي انتقال تلقائي من صفة واحدة إلى بقية الصفات. والعكس صحيح أيضاً، فقد يحمل شخص صفات علمية أو إدارية متميزة، لكنه لا يمتلك حضوراً اجتماعياً، أو عشائرياً، أو إعلامياً، فيجد نفسه أقل تأثيراً من شخص آخر لا يتفوق عليه في الكفاءة، لكنه يتفوق عليه في صناعة الرموز. وهنا لا يعود المجتمع أمام مقارنة بين شخصين، وإنما أمام مقارنة بين صورتين. إلى الحياة الاجتماعية بوصفها مسرحاً كبيراً يؤدي فيه الناس أدواراً وهناك رأي لعالم الاجتماع الكندي «إرفنغ غوفمان»، الذي نظر مختلفة بحسب الجمهور الذي يقف أمامهم. ولا يعني ذلك أن الجميع منافقون أو مخادعون، وإنما يعني أن الإنسان، بطبيعته، يختار ما ي ُ ظهره للآخرين، ويخفي ما لا يريد أن يكون جزءاً من صورته العامة. وتبدو هذه الفكرة اليوم أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، خصوصاً في عصر وسائل التواصل الاجتماعي. فالسياسي ينشر صورته وهو يحتضن يتيماً، أو يجلس بين الناس، أو يزور عائلة فقيرة، ورجل الأعمال يبرز صورة تبرعه لمستشفى أو مدرسة، وصاحب الوجاهة ينشر مجالسه العامرة، وضيوفه، وصوره مع الشخصيات المؤثرة. ليست المشكلة في هذه الصور، فهي قد تعكس أحداثاً حقيقية، لكن المشكلة تكمن في أن المتلقي يبدأ، مع كثرة التكرار، بالاعتقاد أن هذه الصور تمثل الشخصية كلها وهنا تتداخل إدارة الانطباع مع أثر الهالة. في المجتمع العراقي، تمتلك هذه العملية أدوات عديدة «المضيف، المناسبة الدينية، مجالس العزاء، الزيارات الاجتماعية، العمل الخيري، الإعلام. . «. ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتجمع كل هذه الأدوات في منصة واحدة، لم يعد الشخص بحاجة إلى انتظار أن يراه الناس في الواقع، صار بإمكانه أن يدخل بيوتهم يومياً عبر شاشة الهاتف. ولذلك لم تعد صناعة المكانة تعتمد على التاريخ ليست المشكلة في هذه الصور، فهي قد تعكس أحداثاً حقيقية، لكن المشكلة تكمن في أن المتلقي يبدأ، مع كثرة التكرار، بالاعتقاد أن هذه الصور تمثل الشخصية كلها. وهنا تتداخل إدارة الانطباع مع أثر الهالة. وفي المجتمع العراقي، تمتلك هذه العملية أدوات عديدة؛ مثل: المضيف، والمناسبة الدينية، ومجالس العزاء، والزيارات الاجتماعية، والعمل الخيري، والإعلام. ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتجمع كل هذه الأدوات في منصة واحدة. فلم يعد الشخص بحاجة إلى انتظار أن يراه الناس في الواقع، بل صار بإمكانه أن يدخل بيوتهم يومياً عبر شاشة الهاتف. ولذلك، لم تعد صناعة المكانة تعتمد على التاريخ الطويل وحده، بل أصبحت تعتمد أيضاً على القدرة على إدارة الحضور. إنه انتقال من «صناعة السيرة» إلى «صناعة الصورة”. ولذلك، لم تعد صناعة المكانة تعتمد على التاريخ الطويل وحده، بل أصبحت تعتمد أيضاً على القدرة على إدارة الحضور. إنه انتقال من «صناعة السيرة» إلى «صناعة الصورة”. وصناعة الصورة، في واقعنا، ظاهرة أخذت بالاتساع؛ فهي تضخم قيمة الظهور العام، حتى أصبح الظهور بحد ذاته رأس مال. فـ»الصورة مع مسؤول، والصورة مع رجل دين، والصورة مع شيخ عشيرة». .. كل صورة تؤدي وظيفة رمزية، حتى وإن لم ينتبه المتلقي إلى ذلك؛ فالرسالة لا تكمن في الصورة نفسها، بل في المعنى الذي يتركه الحدث في ذهن الجمهور، وهو ما ي ُ شكِل أثر الحقيقة الوهمية (Illusory Truth Effect). فالدراسات تشير إلى أن الإنسان يميل إلى تصديق المعلومات المألوفة أكثر من المعلومات الجديدة، حتى عندما لا يمتلك دليلا ً على صحتها؛ فالتكرار يخلق شعوراً بالألفة، والألفة ت ُ ترجم، في كثير من الأحيان، إلى شعور بالمصداقية. ولهذا، لا تحتاج بعض الصور إلى أن تكون مقنعة جداً، بل يكفي أن تتكرر. يتكرر الحديث عن كرم الشخص، ثم تتكرر صوره في المناسبات، ثم تتكرر ألقابه، ثم تتكرر القصص التي ت ُ روى عنه. وبعد سنوات، تصبح هذه الصورة جزءاً من الوعي الجمعي، حتى لو كان كثير من عناصرها قائماً على الانطباع أكثر من قيامه على الوقائع. لكن الظاهرة لا تتوقف هنا. فهناك مستوى آخر أكثر تعقيداً، وهو ما ي ُ عرف في علم النفس بـ “التنافر المعرفي”، الذي شرحه “ليون فستنغر”. وي ُ قصد به حالة التوتر التي يشعر بها الإنسان عندما يحمل فكرتين متعارضتين في الوقت نفسه. قد يعرف الفرد أن مسؤولا ً ما تحيط به شبهات فساد، وفي الوقت نفسه يكون هذا المسؤول قد ساعد عشيرته، أو مو ّ ل مشروعاً خيرياً، أو وقف معه في أزمة شخصية. كيف يتعامل العقل مع هذا التناقض؟ في كثير من الأحيان، لن ي ُ لغي إحدى الفكرتين، بل سيبحث عن تبرير يسمح له بالتعايش معهما، فيقول: «صحيح أنه فاسد، لكنه يخدم الناس.» أو: «صحيح أنه استفاد من منصبه، لكنه لم ينس َ أبناء منطقته.» أو: «كلهم فاسدون، لكنه، على الأقل، أعاد شيئاً إلى المجتمع. ” هذه العبارات محاولات نفسية لتخفيف التوتر بين المعرفة والولاء، وبين الحقيقة والانتماء، وبين الوقائع والانطباع. ولذلك يمكن فهم المشهد الذي بدأنا به هذه الورقة؛ ليس لأن الناس لا تعرف الحقيقة، وإنما لأن الصورة التي تراكمت في أذهانها أصبحت قادرة على التعايش مع هذه المعرفة. وهذا أخطر بكثير من مجرد تصديق الكذبة؛ فالكذبة يمكن كشفها، أما الصورة الراسخة فإنها تقاوم التصحيح؛ لأنها قائمة على شبكة كاملة من الرموز، والانطباعات، والعلاقات، والذكريات، والمصالح. ولذلك، فإن النقاش حول الأشخاص في المجتمع كثيراً ما يبدأ من المكانة التي يحتلونها، بغض النظر عن الواقع. فكلما ازدادت الرموز المحيطة بالشخص، ازدادت قدرته على توجيه الطريقة التي يقرأ بها الناس أفعاله. لماذا أصبح الأمر أكثر وضوحا ً الآن؟ وهذا يقود إلى السؤال الأخير في هذه الورقة: لماذا تبدو هذه الظاهرة أكثر وضوحاً في العراق المعاصر؟ وهل يتعلق الأمر بطبيعة المجتمع وحدها، أم بالتحولات السياسية والاقتصادية والإعلامية التي شهدها العراق خلال العقود الأخيرة؟ تتفق معظم المجتمعات على احترام الكرم، وتقدير التدين، والإشادة بالعمل الخيري، والنظر بإيجابية إلى من يفتح بابه للناس أو يشاركهم مناسباتهم وأفراحهم وأحزانهم. وهذه قيم لا يختلف عليها اثنان؛ لأنها أسهمت، عبر التاريخ، في ترسيخ التضامن الاجتماعي، وساعدت المجتمعات على تجاوز الأزمات وبناء الثقة بين أفرادها. لكن المشكلة تبدأ عند تحول تلك القيم إلى معيار وحيد للحكم على الإنسان. وهنا تبرز خصوصية المجتمع العراقي. فالعراق كان، وما يزال إلى حد بعيد، مجتمع علاقات ترتبط بالأسر، والعشيرة، والعادات، والتقاليد الممتدة، بوصفها مؤسسات اجتماعية سبقت الدولة الحديثة، واستمرت معها، وأحياناً نافستها في أداء بعض وظائفها. ولذلك ظل الاعتراف الاجتماعي يصدر من المجتمع بقدر ما يصدر من المؤسسة الرسمية. ومع التحولات السياسية والاقتصادية التي شهدها العراق خلال العقود الأخيرة، ولا سيما بعد عام 2003، ظهرت طبقة جديدة تمتلك المال، والسلطة، والإعلام معاً، واستطاعت أن توظف هذه الموارد في بناء مكانة اجتماعية واسعة. فلم يعد المنصب وحده مصدر النفوذ، ولم تعد الثروة وحدها عنوان القوة، بل أصبح أيضاً الاستثمار في الصورة جزءاً من إدارة النفوذ نفسها. ولعل أخطر ما في هذه التحولات أنها نقلت العمل الخيري، والرموز الدينية، والوجاهة الاجتماعية، من كونها قيماً أخلاقية إلى أدوات يمكن توظيفها في بناء النفوذ الاجتماعي والسياسي. فالسياسي لم يعد يكتفي بخطابه السياسي، بقدر حرصه على بناء مضيف، ورعاية موكب، وتمويل نشاط ديني، والظهور في مجالس العزاء، وحل النزاعات العشائرية، وتقديم المساعدات. ورجل الأعمال لم يعد يكتفي بإدارة مشاريعه، بل أصبح حريصاً على أن يكون اسمه حاضراً في كل مناسبة عامة. وحتى بعض من يد ّ عون المشيخة أو الوجاهة الاجتماعية، لم يعد اعتمادهم على الإرث الاجتماعي وحده، بقدر سعيهم إلى النفوذ السياسي والاقتصادي والتجاري لتعزيز قدرتهم على إدارة هذه الرموز وإعادة إنتاجها باستمرار. وهذه النشاطات لم تعد فردية، بل أصبحت أقرب إلى ظاهرة ي ُ سهم المجتمع في صنعها، فالألقاب يمنحها الناس، والوجاهة يعترف بها الناس. وهنا يصبح المجتمع شريكاً، من حيث لا يشعر، في إعادة إنتاج المكانة؛ فهو ينتقد الشخص في مجلس، ثم يكرر ألقابه في مجلس آخر، ويستنكر الفساد بوصفه ظاهرة عامة، ثم يتسامح مع ممارسته عندما ترتبط بشخص قريب، أو مؤثر، أو كريم، أو صاحب وجاهة، ويطالب بسيادة القانون، ثم يلجأ، عند أول أزمة، إلى الوساطة الاجتماعية؛ لأنها، في نظره، أسرع وأكثر فاعلية من المؤسسة الرسمية. هذه الازدواجية هي نتاج تاريخ طويل من ضعف الدولة، وتعاظم دور الجماعات الوسيطة، واعتماد الأفراد على العلاقات الشخصية أكثر من اعتمادهم على المؤسسات. ولذلك بقيت المكانة الاجتماعية تمتلك قدرة كبيرة على تعديل الأحكام، وأحياناً على تعطيلها. ولعل أخطر ما أنتجته هذه الحالة هو انتقال المجتمع من تقييم الأشخاص إلى تقييم الصور التي يمثلونها، وبذلك تنتقل المنافسة من ميدان الإنجاز إلى ميدان الرموز. ولا يعني ذلك أن المجتمع العراقي يفتقد القدرة على التمييز بين الحقيقة والانطباع، أو أنه يجهل الوقائع، وإنما تكمن المفارقة في أن كثيراً من الوقائع معروفة ومتداولة، ومع ذلك لا تؤدي دائماً إلى تغيير الأحكام الاجتماعية. فالإنسان قد يدين السلوك، لكنه يستمر في احترام صاحبه. وقد يرفض الفساد من حيث المبدأ، لكنه يتسامح مع بعض صوره عندما ترتبط برمز اجتماعي يحظى بالتقدير. إنه نوع من إعادة ترتيب الأولويات، بتقديم قيمة الكرم على سؤال مصدر المال، والوجاهة على الكفاءة، والحضور الاجتماعي على الأداء، وبالتالي الرمز على الوقائع. وهذه إحدى أهم الإشكاليات التي تواجه المجتمع المعاصر؛ إذ تصبح الرمزية قادرة على إبطاء المساءلة، وتأجيل النقد، وتخفيف أثر الوقائع، لا لأنها تلغي الحقيقة، بل لأنها تنافسها في تشكيل الحكم الاجتماعي. إن بناء مجتمع حديث لا يعني التخلي عن الكرم، ولا التقليل من قيمة التدين، ولا الانتقاص من العمل الخيري، أو احترام الوجاهة الاجتماعية، فهذه كلها عناصر أصيلة في الثقافة العراقية، وأسهمت في حفظ تماسك المجتمع عبر أزمنة طويلة. لكن بناء المجتمع الحديث يقتضي الفصل بين هذه القيم وبين معايير تقييم الأفراد في المجال العام. فالمكانة الاجتماعية، مهما بلغت، لا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن الحقيقة. ولعل التحدي الأكبر الذي يواجه المجتمع في السنوات المقبلة يتمثل في إعادة بناء معيار الحكم نفسه. فالمجتمع الذي ينجح في يضع أساساً أكثر صلابة للعدالة والثقة العامة. وتبقى الرموز جزءاً الفصل بين الرمز والحقيقة، وبين الصورة والواقع، وبين الفعل وقائله، مهماً من حياة المجتمعات؛ لأنها تمنح الناس شعوراً بالانتماء، والهوية، والاستمرار، ولا سيما عندما تؤدي وظيفتها الحقيقية، وتبقى معززة للحقيقة، لا بديلا ً عنها.
المراجع 1. Bourdieu, Pierre, The Forms of Capital, in: John G. Richardson (Ed.), Handbook of Theory and Re- search for the Sociology of Education, Greenwood Press, New York, USA, 1986. 2. Thorndike, Edward L. , A Constant Error in Psy- chological Ratings, Journal of Applied Psychology, Vol. 4, No. 1, American Psychological Association, Washington, D. C. , USA, 1920. 3. Goffman, Erving, The Presentation of Self in Everyday Life, Anchor Books, Doubleday & Compa- ny, New York, USA, 1959. 4. Festinger, Leon, A Theory of Cognitive Disso- nance, Stanford University Press, Stanford, Califor- nia, USA, 1957. 5. Hasher, Lynn; Goldstein, David; Toppino, Thomas C. , Frequency and the Conference of Ref- erential Validity, Journal of Verbal Learning and Verbal Behavior, Vol. 16, No. 1, Elsevier, Amsterdam, The Netherlands, 1977.