الكذب الذي نحترمه

2026/06/17

منتصر صباح آل شمخي الحسناوي

هناك كذب يُطرد صاحبه من المجلس، وهناك كذب يُدعى صاحبه إلى صدر المجلس، الفارق بينهما المكانة التي استطاع صاحب الكذبة أن يصنعها لنفسه.

لا يخفى على المجتمع ولا سيما العراقي حقيقة أن أفراده، في سريرتهم يعرفون اتجاهاتهم وتدور أحاديث حول أسماء تتكرر وقصص تُروى وملاحظات يتداولونها عن هذا المسؤول أو ذاك التاجر أو ذلك السياسي أو الشيخ. تسمع النقد واضحاً وتجد الحاضرين يكادون يتفقون على توصيف الشخص وسلوكه وما يُنسب إليه من أخطاء أو مبالغات أو أكاذيب.

ثم يحدث شيء يستحق التأمل.. يدخل الرجل نفسه إلى المجلس فتتغير اللغة وتُحفظ الألقاب ويُفسح له المكان وتُستقبل كلماته بالترحيب والاحترام، تبقى المعلومات نفسها لكن طريقة التعامل معها تتغير، وكأن المجتمع يضع الحقيقة في جهة والمكانة الاجتماعية في جهة أخرى.

وقد يتبادر إلى ذهن القارئ الآن بأنه نوع من “النفاق الاجتماعي”، هذا ممكن، لكنّ جزءاً كبيراً من تفسير ذلك يكمن في أنّ الناس أسرى الإحسان وطمع المصلحة، فالكرم يترك أثراً والخدمة تترك أثراً والحضور الاجتماعي يترك أثراً.

رجلٌ يقضي حوائج الناس ويُكثر من الولائم وآخرٌ يفتح مضيفه للناس وثالثٌ يشارك في المناسبات الدينية والاجتماعية ورابعٌ يوزع المساعدات على المحتاجين، تتراكم هذه الصور في الذاكرة الجمعية حتى تصنع حول صاحبها هالةً من القبول والاحترام.

المشكلة لا تكمن في هذه الأعمال، فهي في أصلها أعمال طيبة ومطلوبة وإنما في تحولها أحياناً إلى رصيد اجتماعي يغطي على أسئلة أخرى.

فبعض الناس ينجح في الظهور بصورة “حاتم الطائي” دون أهمية السؤال عن مصدر أمواله، بينما يتعامل آخرون معه في أحاديثهم الخاصة بوصفه أقرب إلى “روبن هود ” ذلك اللص الذي يسرق القرية ثم يعيد جزءاً مما أخذ على شكل هدايا وعطايا، فينال الشكر على ما أعطى أكثر مما يُسأل عما أخذ.

ومع مرور الوقت تتشكل ظاهرة أوسع من مجرد كذبة أو حادثة منفردة، فالتكرار يصنع ألفةً والألفةُ تصنع قبولاً والقبولُ يمنح الرواية عمراً أطول مما تستحق، تتكرر القصة حتى تصبح مألوفة ويُعاد تداول الصورة حتى تكون أقوى من الوقائع نفسها، كمن يكذب الكذبة فيصدقها.

وقد ساعدت وسائل التواصل الاجتماعي على تضخيم هذا الأثر، أرتال سيارات وحمايات وصور مع مسؤولين وشخصيات عامة وأخرى في مجلس عزاء ومناسبات دينية، وثالثة بين الفقراء ورابعة في مضيفٍ عامر بالضيوف ومع كثرة التكرار وموسيقى المهابة تتراكم الانطباعات في ذهن المتلقي أسرع من تراكم الحقائق.

وفي السياسة تبدو الصورة أكثر وضوحاً، فبعض السياسيين لا يعتمدون على الإنجاز وحده بقدر اعتمادهم على صناعة الحضور “شبكة علاقات واسعة، نشاط اجتماعي، خطاب مؤثر، ومتابعة دائمة لما يترك أثراً في الرأي العام” ومع الوقت يتحول النقاش من تقييم الأداء إلى تقييم الشخصية ومن مراجعة الوقائع إلى إعادة إنتاج الصورة.

وربما الجديد في العراق خلال السنوات الأخيرة أن هذه الأدوار أصبحت تجتمع في شخصية واحدة، فصاحب المال والنفوذ أضفى على نفسه المشيخة وذهب للحج ودخل السياسة وافتتح له “مكتباً إعلاميا”.

كلُّ صفةٍ تعزز الأخرى وكلُّ دائرةٍ تضيف طبقة جديدة من الحماية المعنوية، حتى يصبح الرجل أكبر من أي صفة منفردة وأكبر من أي نقاش يدور حولها، لهذا تبدو المسألة أبعد من الكذب نفسه، فالكذبُ موجود في كل زمان ومكان أما الظاهرة التي تستحق التأمل فهي قدرة المكانة الاجتماعية على التعايش معه.

معرفة الناس بالحقيقة تسير في طريق، واحترامهم لصاحبها يسير في طريق آخر. وهنا يكمن أخطر أنواع الكذب “ذلك الذي لا يحتاج إلى أن يصدقه الناس، وإنما يكفيه أن يحظى باحترامهم”.