الرحيق الذي يعود عسلاً
2026/07/09
منتصر صباح آل شمخي الحسناوي
الوقت ينفد بسرعة من أعمارنا، كثيراً ما تغيب هذه الحقيقة في زحام الحياة وفي استهلاك الفراغ بالوقائع العامة، والأخبار المتلاحقة، وما تزخر به السوشيال ميديا من صور وأصوات وسجالات اصبحت الجزء الأكبر من وقتنا ، متراكمات العالم تدخل ادمغتنا بأشكال مختلفة وتكون السلبية فيها أكثر وضوحاً وتكراراً وفقاً لخوارزمياتها، حتى تضعف الحماسة أحياناً وتقل الرغبة في المبادرة ويجد الإنسان نفسه أقرب إلى الصمت أو العزلة أو الاكتفاء بالمراقبة.
وسط هذا الزخم، يحتاج الإنسان إلى ما يعيد إليه توازنه وقد تعجز الراحة أو وفرة الأشياء من حوله عن صناعة ذلك التوازن، في حين يستطيع موقف بسيط أن يفتح في الداخل باباً مختلفاً من الطاقة الإيجابية.
ومن صور ذلك العطاء.
ذلك الفعل الذي يوقظ في النفس معناها، ثم يترك في الداخل أثراً أوسع من كل حساب مادي، فالإنسان الذي يقضي حاجة محتاج بمحبة ويحفظ له كرامته، يشعر بشيء عميق من الرضا والطمأنينة؛ كأن المعروف الذي خرج منه عاد إليه بصورة صفاء داخلي.
ولعل ما دفعني إلى كتابة هذه الفكرة موقف بسيط حدث عند دخولي صيدلية فكانت هناك امرأة عاجزة عن شراء دواء، رغم أن قيمته لم تكن كبيرة، بادرت إلى شرائه لها وانتهى الموقف بهدوء، كما تنتهي مواقف كثيرة لا يلتفت إليها أحد.
غير أنني خرجت من الصيدلية بشعور مختلف عن الشعور ولا أعرف من ساعد من؟
كان الدواء بسيطاً في حساب المال، لكنه واسع في حساب النفس ولعلها هي من قضت حاجتي.
وهذا المثال البسيط يتكرر في الحياة بصور كثيرة، قد يكون في موظف يقضي معاملة مواطن بإنصاف أو مزارع يكرم عابر سبيل أو إنسان يفتح لغيره باباً كان مغلقاً، تتغير الصور لكن المعنى واحد: أن يشعر الإنسان بأن له أثراً في حياة غيره.
وتقترب دراسات النفس والاجتماع من هذا المعنى عندما تتحدث عن أثر السلوك المساعد في رفع الشعور بالرضا والمعنى، ولا سيما عندما يصدر الفعل بمحبة واختيار داخلي، فالإنسان يحتاج إلى أن يرى أثره في الحياة، وأن يشعر بأن وجوده يتجاوز حدود حاجاته الشخصية.
لهذا ينجذب الناس إلى صور العطاء بأسمائها المختلفة؛ قضاء حاجة، كرم، صدقة، مبادرة، دعوة إنسانية أو فعل ديني وقد نسميها في وعينا الديني والاجتماعي “الثواب”.
العطاء الواعي يمنح المحتاج حاجته ويمنح المعطي شعوراً بأنه جزء من نسيج أوسع من الرحمة والمسؤولية.
وهنا يحتاج العطاء أيضاً إلى ميزان يحفظ معناه بعيداً عن الاستعراض الذي يبهت أثره وعن العلاقة التي تصنع تبعية بين المعطي والمحتاج، فأجمل العطاء ما ذهب إلى حاجة الآخر بكرامة من دون مَنّ وعاد إلى صاحبه بسلام وترك بين الطرفين أثراً نظيفاً؛ يحفظ المحتاج من ثقل الحرج، ويحفظ المعطي من وهم السلطة ويبقي المعروف في صفائه الأول.
هذا المعنى الذي تكشفه التجربة الإنسانية هو جزء من نظام أوسع في الطبيعة، يظهر في صور أكثر هدوءاً وانتظاماً في حياة نحل العسل، تبدو العلاقة بين الزهرة والنحل مثالاً على تبادل الأثر، تمنح الزهرة رحيقها من صلب حياتها، فيأخذه النحل غذاءً وحلاوة، ليكافئ الزهرة بمساعدتها في التلقيح الخلطي الذي يعزز استمرارها ويزيد إنتاجها كماً ونوعاً.
وما تعطيه الزهرة يبدو أقل قيمة مما يعود إليها من حياة وخصب واستدامة، وبالتأكيد دون مَنّ وفضل.
ثم تستمر السلسلة بأن يأخذ النحل الرحيق ويحوله بنظامه وصبره إلى عسل، فيفيض أثره إلى الإنسان غذاءً وشفاءً ومعنى.
وعندما يحسن الإنسان رعاية النحل، ويحمي بيئته، ويفهم حاجته تدخل العلاقة كلها في دائرة من التكامل. طرف يأخذ، وطرف يعطي، والحياة تمضي بهذا التبادل الهادئ الذي يحفظ استمرارها.
الإيجابية بالعطاء، بهذا المعنى، رؤية لحاجة الإنسان إلى المعنى وسط عالم متعب وكلما ازدادت حولنا مصادر الضغط، ازدادت حاجتنا إلى أفعال صغيرة تعيد إلينا توازننا وتذكرنا بأن الخير قادر على صناعة أثر كبير من مساحة محدودة.